الشنقيطي
316
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
التصرّف . ووضع درجته وجريمته تجعله يستحقّ العقوبة بذلك . فإن قيل : إذا كان الرقيق مسلما فما وجه ملكه بالرّقّ ؟ مع أنّ سبب الرقّ الّذي هو الكفر ومحاربة اللّه ورسله قد زال ؟ فالجواب : أنّ القاعدة المعروفة عند العلماء وكافّة العقلاء : أنّ الحقّ السابق لا يرفعه الحقّ اللّاحق ، والأحقّيّة بالأسبقيّة ظاهرة لا خفاء بها . فالمسلمون عندما غنموا الكفّار بالسبي : ثبت لهم حقّ الملكيّة بتشريع خالق الجميع ، وهو الحكيم الخبير . فإذا استقرّ هذا الحقّ وثبت ، ثمّ أسلم الرقيق بعد ذلك كان حقّه في الخروج من الرقّ بالإسلام مسبوقا بحقّ المجاهد الّذي سبقت له الملكيّة قبل الإسلام ، وليس من العدل والإنصاف رفع الحق السابق بالحقّ المتأخّر عنه ؛ كما هو معلوم عند العقلاء . نعم ، يحسن بالمالك ويجمل به أن يعتقه إذا أسلم ، وقد أمر الشارع بذلك ورغّب فيه ، وفتح له الأبواب الكثيرة كان قدّمنا - فسبحان الحكيم الخبير وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ الأنعام : 115 ] فقوله صِدْقاً أي في الأخبار وقوله وَعَدْلًا أي في الأحكام . ولا شكّ أنّ من ذلك العدل : الملك بالرّقّ وغيره من أحكام القرآن . وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السّقيم ومن هدي القرآن للّتي هي أقوم : القصاص ؛ فإنّ الإنسان إذا غضب وهمّ بأن يقتل إنسانا آخر فتذكّر أنّه إن قتله قتل به ، خاف العاقبة فترك القتل ؛ فحيي ذلك الّذي كان يريد قتله ، وحيي هو ؛ لأنّه لم يقتل فيقتل قصاصا . فقتل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلّا اللّه كثرة كما ذكرنا ؛ قال تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 ) [ البقرة : 179 ] ولا شكّ أنّ هذا من أعدل الطرق وأقومها ، ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديما وحديثا قلّة وقوع القتل في البلاد الّتي تحكم بكتاب اللّه ؛ لأنّ القصاص رادع عن جريمة القتل ؛ كما ذكره اللّه في الآية المذكورة آنفا . وما يزعمه أعداء الإسلام من أنّ القصاص غير مطابق للحكمة ؛ لأنّ فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأوّل ، وأنّه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحبس ، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع ؛ كلّه كلام ساقط ، عار من الحكمة ! لأنّ الحبس لا يردع الناس عن القتل . فإذا لم تكن العقوبة رادعة فإن السّفهاء يكثر منهم القتل ؛ فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل . ومن هدي القرآن للّتي هي أقوم : قطع يد السارق المنصوص عليه بقوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) [ المائدة : 38 ] ، وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « لو سرقت فاطمة لقطعت يدها » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3475 ، والمغازي حديث 6787 ، -